Home » أخبارنا » لوموند: 1987 العام الذي دخل فيه الجنس عالم السياسة

لوموند: 1987 العام الذي دخل فيه الجنس عالم السياسة

في عام 1987، انقلبت الأمور رأسا على عقب بالنسبة للمرشح الديمقراطي لانتخابات 1988 غاري هارت الذي كان يتصدر الساحة السياسة الأميركية ويلقب “بالعدّاء الأمامي” (ذا فرونت رانر)، عندما كشف الإعلام عن عدم وفائه لزوجته حتى اضطر إلى تعليق حملته قبل الخروج نهائيا من عالم السياسة.

 

هذه الحادثة -كما تقول صحيفة لوموند الفرنسية- هي التي ألهمت جيسون رايتمان فيلمه ” ذا فرونت رانر”، بعد أن وضعت حدا لشبه الاتفاق بين وسائل الإعلام وساسة واشنطن حول السرية المحيطة بالحياة الخاصة للمنتخب.

وفي عرض للفيلم، يقول الصحفي سامويل بلومينفيلد إنه يصور أساسا الأسبوعين اللذين قادا هارت إلى مغادرة حملته سنة 1987، بعد أن تم تصويره مع عشيقة اتخذها ليوم واحد وهو يلبس قميصا كتب عليه اسم اليخت الذي كانا على ظهره؛ تلك الصورة دمرت المستقبل السياسي للمرشح بصورة نهائية.

ويجسد هارت في عيون الناس -عندما كان مرشحا عام 1987- الرجل الذي يسير في خط لا يقاوم، فهو سياسي تشبّع بالمثل العليا وقيم الستينيات، ولا يزال شابا ذا خبرة ويسعى لإدخال بلاده إلى القرن الحادي والعشرين -كما يقول الكاتب- بنقلها إلى اقتصاد قائم على المعلومات والتكنولوجيا الجديدة، في وقت لا يزال فيه خصومه مهووسين بصناعة الصلب والاتحاد السوفياتي.

 

كل شيء يتغير

كما توقع المرشح الديمقراطي حقبة جديدة من الإرهاب، غير أن خططه المستقبلية تفوق عليها فجأة صخب علاقته الجنسية المحرمة وما يصاحبها من عار، فانقلب من وضع الفائز المحتمل اللامع إلى وضع الخاسر السيئ السمعة الذي فقد مستقبله بسبب عدم قدرته على السيطرة على رغباته.

إذا كان معظم رؤساء الولايات المتحدة لديهم علاقات خارج إطار الزواج قبل وأثناء فترة رئاستهم، وقل منهم من لا يشمله ذلك، فإن الأمر اختلف منذ عام 1987، وربما يعود ذلك إلى تغير العقلية الأميركية بعد فضيحة ووترغيت

 

“يقول الكاتب إن الصحفي السابق لصحيفة نيويورك تايمز “مات باي” كتب الكتاب المرجعي في هذه الحملة التي تم إجهاضها، وقضى في ذلك عشرات الساعات مع عضو مجلس الشيوخ السابق عن ولاية كولورادو الذي هو هارت نفسه، وقد شارك في كتابة الفيلم مع جاي كارسون.

ويبدي الصحفي المشارك في كتابة الفيلم استغرابه، قائلا عن الفيلم إنه “يبدو قصة عاطفية كلاسيكية. هذا شخص في طريقه إلى البيت الأبيض، يتحدى وسائل الإعلام بالعثور على أي شيء في حياته الخاصة، رغم أن الجميع يعلم أنه يعاني داخل أسرته، ثم يجد نفسه في صورة في حضن امرأة تصغره، مما يحمل على التساؤل كيف يمكن لمثل هذا الرجل الذكي أن يكون غبيا جدا”.

وإذا كان معظم رؤساء الولايات المتحدة لديهم علاقات خارج إطار الزواج قبل وأثناء فترة رئاستهم، وقل منهم من لا يشمله ذلك، فإن الأمر اختلف منذ عام 1987، وربما يعود ذلك إلى تغير العقلية الأميركية بعد فضيحة ووترغيت ومطالبتهم للقادة بمزيد من الشفافية حول شخصياتهم.

 

ويقول الكاتب إن من العوامل التي أدت إلى تغير الأمور ظهور الحركات النسوية وتولي فترة التحرر الجنسي التي شهدتها الستينيات، بالإضافة إلى التغيير في الممارسات الصحفية، عندما لم يعد شيء “أكثر أهمية بالنسبة للصحفي من كشف أكاذيب السياسيين”، بعد فضيحة ووترغيت التي رفعت من قيمة المحققين الصحفيين.

 

مشهد هزلي

وفي عرضه يقول الكاتب إن هارت لم يكن يتخيل الفضيحة القادمة عندما رد على أسئلة مراسل صحيفة نيويورك تايمز الذي يكتب سيرته، إذ لم يعلم حينها أن أحد مراسلي صحيفة ميامي هيرالد كان على علم بأن دونا رايس -ملكة جمال كارولينا الجنوبية السابقة التي شوهدت على متن اليخت معه- ستزور شقة المرشح في واشنطن.

وقد أقام المراسل مع مصور أمام المنزل ينتظران الزيارة، ولكن رايس خرجت من باب الخدمة دون قضاء الليلة في منزل المرشح، غير أن المراسل الذي لم يشاهد خروجها قد خلص إلى عكس ما وقع، وقد ارتاب هارت في وجود أشخاص أمام منزله وخرج مرتديا ملابس رياضية.

ويقول الكاتب إن من الصدف الغريبة أن يخرج تحقيق ميامي هيرالد في نفس اليوم الذي تخرج فيه سيرة هارت في نيويورك تايمز، مشيرا إلى أن صحفي فلوريدا وصل إلى العبارة المدمرة للمرشح وحث الصحفيين على تتبعه حتى يقدم للتحقيق.

ولا تنتهي القصة هنا -بحسب الكاتب- إذ عقد المرشح مؤتمرا صحفيا في اليوم التالي لصدور التحقيق الصحفي، فسأله الموفد الخاص لواشنطن بوست “هل سبق لك أن أقمت علاقة جنسية خارج الزواج؟”، وهو سؤال لم يكن من الممكن تصوره في ذلك الوقت من صحفي يعمل في واحدة من أعرق الصحف الأميركية.

غير أن السؤال -بحسب الكاتب- كان يخفي وراءه سرا، إذ إن الصحيفة في ذلك الحين كانت تنوي نشر تحقيق عن حياة غاري هارت الخاصة، تكشف فيه فضيحة جنسية سابقة له، وهو ما فعلته وجعل المرشح يعلق حملته الانتخابية رغم تقدمه في استطلاعات الرأي، مدعوما باعتقاد غالبية الأميركيين أن الحياة الخاصة للسياسيين يجب أن تظل سرية، لكن رمزية ورقة واشنطن بوست كانت قوية للغاية بسبب الضغط الإعلامي على زوجة هارت وابنته.

 

وبعد سنوات، شرح بن برادلي رئيس التحرير الأسطوري لواشنطن بوست سبب التحول الذي بدأته صحيفته إلى ما يشبه الصحافة الصفراء، قائلا إن الصحف الرئيسية لم تعد قادرة على إملاء قواعد تغطية الحملة وتحديد ما هو جدير بالتحقيق وما هو غير جدير به، ضاربا المثل بصحيفة صغيرة مثل ميامي هيرالد التي كانت لها سلطة لا يمكن تصديقها.

وصية سياسية

وقال الكاتب إن خطاب الوداع المؤثر الذي قدمه هارت واتهم فيه وسائل الإعلام بأنها تشكل خطرا على أميركا باسم الشفافية غير الواضحة وبقادة غير أكفاء، لم يلق أي اهتمام ولم يحفظ الناس منه سوى الإعلان عن اعتزاله السباق الرئاسي.

خطاب الوداع المؤثر الذي قدمه هارت واتهم فيه وسائل الإعلام بأنها تشكل خطرا على أميركا باسم الشفافية غير الواضحة وبقادة غير أكفاء، لم يلق أي اهتمام ولم يحفظ الناس منه سوى الإعلان عن اعتزاله السباق الرئاسي

 

“ولكن هذه الوصية السياسية -كما يقول الكاتب- أثرت بقوة في كاتب الفيلم الذي يقول “إنها كرامة مثالية. قمت بتغطية فضائح عديدة في حياتي. ولفترة طويلة، كنت ملجأ كل من لديه مشكلة. كنت المسؤول الصحفي عن حملة بيل وهيلاري كلينتون، وكانت القاعدة الأساسية بعد فضيحة هارت هي أن تفعل كل شيء لتجنب مصيره”.

وينتهي الكاتب إلى أن هارت أصر على أن يكون وحيدا دون أن يختبئ وراء عائلته، متسائلا هل من الممكن أن يكون الرجل الذي سيصبح مستشارا في القضايا الأمنية وحامل الدكتوراه في الفلسفة والروائي لم يفهم الفترة التي يعيش فيها، أم أنه لم يكن مستعدا لتقبل القواعد الجديدة؟

وعند عودة هارت الوجيزة للترشيحات الأولية، رفض -كما يقول الكاتب- أن يخرج أمام الكاميرات مع زوجته وأطفاله، لأنه كان يرى ذلك استغلال فظيعا، رغم حاجته إليه.

ويختم الكاتب بتعليق كاتب الفيلم إن “ذلك هو الثمن الذي يجب دفعه لتهدئة الفضيحة، ولكن هارت لم يكن ليوافق عليه، وإن كان المرشحون الآن جاهزون لأي شيء من أجل البقاء. وذلك يدل على جانب من السياسة لا أحبه”.

Comments are closed.